محمد جواد مغنية

24

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد

لهذا النوع من الوضع التعييني ، لأن الذي عيّنه وبيّنه واضع مريد . الثاني أن ينشأ الوضع من الاستعمال مع القرينة وعلى سبيل المجاز ، ثم يتكرر حتى يلتصق ويلتحم المعنى باللفظ ، ويفهم منه بلا قرينة ، ويصبح المعنى الأول منسيا . وعندئذ يصبح حقيقة فيه ، ويسمى هذا بالوضع التعيني ، لأن سببه طبيعي لا إرادي . وبكلام أوضح إن التعيين من فعل الانسان وإرادته ، أما التعين فأثر حتمي للاستعمال وشيوعه . وتجدر الإشارة إلى أن الوضع من حيث هو لا يتصف بالكلية والجزئية ، ولا بالعام والخاص ، إذ لا وجود له في الخارج يقع تحت حاسة من الحواس . الوضع كثرت الأقوال حول أصل اللغة ، واختلفت اختلافا كبيرا ، فمن قائل : انه غيبي إلهي ، وقائل : إن أصل اللغة صيحات وصرخات كانت تعبر عن مشاعر الانسان ، ثم تطورت مع الزمن إلى كلمات . وقال ثالث : بل الأصل تقليد أصوات الطبيعة ومحاكاتها . أما تمحيص هذه الأقوال وغيرها فمضيعة للوقت ، لبعدها عن الفقه وأصوله . . هذا مع العلم بأني أجهل تاريخ اللغات وأصولها . طرق المعرفة إلى الوضع من الواضح ان مجرد استعمال اللفظ في المعنى لا يدل على أنه حقيقة فيه أو مجاز ، لأن الاستعمال أعم ، والعام لا يدل على خاص بعينه . . أجل ، إذا شككنا في مراد المتكلم من اللفظ حملناه على المعنى الظاهر من كلامه ، وبديهي ان الأصل هو العمل بالظاهر في تعيين المراد ، شيء وإثبات الوضع بان الأصل في الاستعمال هو الحقيقة ، شيء آخر . . والمدرك الأول للفرق هو مبنى العقلاء . وهناك طرق لمعرفة الوضع غير الاستعمال ، ذكر منها المحقق القمّي في قوانينه أربعة ، والشيخ التقي في حاشيته على المعالم اثني عشر طريقا ، وأنهاها بعضهم إلى عشرين أو تزيد ، وأكثرها حبر على ورق . وفي الطرق الثلاث الآتية كفاية وزيادة ، وغنى عن مئونة الاعتساف :